السيد محمد تقي المدرسي
374
من هدى القرآن
صادقا فليصبح عند كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار ، قال مطر الوراق : أرادوا أن يُعطَوا بغير عمل ] ، وقال الكلبي : قال المشركون : بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوبا ذنبه وكفارته ، فاتنا بمثل ذلك ] ، وقيل : إن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا : يا محمد ! ائتنا بكتب من رب العالمين مكتوب فيها : إني قد أرسلت إليكم محمدا صلى الله عليه وآله . نظيره : « وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُه » [ الاسراء : 93 ] « 1 » . وما يريدونه محمول على ثلاثة أوجه : الأول : أنهم يريدون مشاهدة الرسالة الإلهية تتنزل في قرطاس يلمسونه ، ويكون متميزا معجزا من كل جهاته ، وما ذلك إلا شرط تبريري للفرار من مسؤولية الإيمان والطاعة للرسول ، وقد فضح الله هذه النوايا الخفية ، وكشف عما في قلوبهم من مرض فقال : « وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ » [ الأنعام : 7 ] . الثاني : أن الخضوع لقيادة الآخرين ، وبالذات الخضوع الشامل لجوانب الحياة ، كما في الأطروحة الإسلامية للقيادة ، من أصعب الأمور على الإنسان ، باعتباره يفرض عليه الخروج من شح النفس وحب الذات ، ويحدد مواقفه وتصرفاته ، هذا في سائر الناس ، أما إذا كان من المترفين وأصحاب الوجاهة فالأمر أثقل عليه وأصعب ، حيث تتوق نفسه للرئاسة على الآخرين ، في حين النظام الإسلامي يفرض عليه الانصياع لأوامر القيادة الرسالية ، وربما التنازل عن المراكز الاجتماعية التي لا يستحقها والأموال التي جمعها من غير حِلِّها . . وهذا ما لا يطيقه أبو جهل وأمثاله ، لذلك ترى كل واحد منهم يتمنى لو يكون هو الرسول الذي يختاره الله فينزل عليه وحيه ، ومن ثم يفرض قيادته على الناس ، ويوجب عليهم الخضوع له . قال مجاهد : أرادوا أن ينزل على كل واحد منهم كتاب فيه من الله عز وجل : إلى فلان بن فلان ] « 2 » . وفي الآية اعتراف ضمني من المشركين والكفار بأن الرسالة فضل عظيم ، تمناها كل واحد منهم لنفسه لما فيها من الشرف . الثالث : أن هذه الآية كشفت عن عقدة مستعصية عند الإنسان لا بد من الجهاد حتى يتغلب عليها ، وهي تلك العقدة التي أشارت إليها آيات عديدة في الذكر تبين طلبات الكفار الإعجازية ، مثل قوله سبحانه : « وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعاً ( 90 ) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً ( 91 ) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا » [ الإسراء : 90 - 92 ] ، ومثل قوله :
--> ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن : ج 19 ، ص 90 بتقديم وتأخير . ( 2 ) المصدر السابق : ص 90 .